علي أنصاريان ( إعداد )

67

شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار

أرمى بها البيد ( 86 ) إذ هجّرت * وأنت بين القرو والعاصر و « البيد » بالكسر ، جمع البيداء وهي المفازة . و « التهجير » السير في الهاجرة وهي نصف النهار عند شدّة الحرّ . و « القرو » قدح من الخشب وقيل : إناء صغير أو إجّانة للشرب . و « العاصر » الّذي يعصر العنب للخمر ، أي أنا في شدّة حرّ الشمس أسوق ناقتي في الفيافي وأنت في عيش وشرب . وقال بعض الشارحين : المعنى : ما أبعد ما بين يومي على كور الناقة أدأب وأنصب وبين يومي منادما حيّان أخي جابر في خفض ودعة . فالغرض عن التمثّل إظهار البعد بين يومه - عليه السلام - بعد وفات الرسول - صلّى اللّه عليه وآله - مقهورا ممنوعا عن حقهّ وبين يومه في صحبة النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - . « فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته » أصل « يا عجبا » يا عجبي قلبت الياء ألفا كأنّ المتكلّم ينادي عجبه ويقول له : احضر فهذا أو إنّ حضورك . و « بينا » هي « بين » الظرفيّة أشبعت فتحتها فصارت ألفا وتقع بعدها إذا الفجائيّة غالبا . و « الاستقالة » طلب الإقالة وهو في البيع فسخه للندم ، وتكون في البيعة والعهد أيضا . واستقالته قوله بعد ما بويع : « أقيلوني فلست بخيركم وعليّ - عليه السلام - فيكم » . وقد روى خبر الاستقالة الطبريّ في تاريخه ، والبلاذريّ في أنساب الأشراف ، والسمعانيّ في الفضائل ، وأبو عبيدة في بعض مصنفّاته على ما حكاه بعض أصحابنا ، ولم يقدح الفخر الرازيّ في نهاية العقول في صحتّه وإن أجاب عنه بوجوه ضعيفة ، وكفى كلامه - عليه السلام - شاهدا على صحتّه . وكون العقد الآخر بين أوقات الاستقالة لتنزيل اشتراكهما في التحقيق والوجود منزلة اتّحاد الزمان أو لأنّ الظاهر من حال المستقيل لعلمه بأنّ الخلافة حقّ لغيره بقاء ندمه وكونه متأسّفا دائما خصوصا عند ظهور أمارة الموت . وقوله « بعد وفاته » ليس ظرفا لنفس العقد بل لترتّب الآثار على المعقود بخلاف قوله « في حياته » ، والمشهور أنهّ لمّا احتضر أحضر عثمان وأمره أن يكتب عهدا وكان يمليه عليه فلمّا بلغ قوله « أمّا بعد » أغمي عليه ، فكتب عثمان : « قد استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب » ، فأفاق أبو بكر ، فقال : اقرأ

--> ( 86 ) - في شرح النهج لابن أبي الحديد : البيداء .